في ندوة تكوينية نُظمت اليوم الخميس بفندق السوفيتال بالجزائر العاصمة، شدّد أطباء مختصون على أهمية التشخيص والعلاج المبكر لمرض التصلب اللوحي، الذي يعدّ من بين الأمراض العصبية الأكثر تعقيدًا، ويصيب بشكل خاص الفئة الشبابية. الدورة، التي نظمتها مخابر “روش الجزائر” لفائدة الصحافيين، ركّزت على آخر ما توصل إليه الطب في مجال مكافحة هذا المرض، وكذا […]
في ندوة تكوينية نُظمت اليوم الخميس بفندق السوفيتال بالجزائر العاصمة، شدّد أطباء مختصون على أهمية التشخيص والعلاج المبكر لمرض التصلب اللوحي، الذي يعدّ من بين الأمراض العصبية الأكثر تعقيدًا، ويصيب بشكل خاص الفئة الشبابية. الدورة، التي نظمتها مخابر “روش الجزائر” لفائدة الصحافيين، ركّزت على آخر ما توصل إليه الطب في مجال مكافحة هذا المرض، وكذا التحديات النفسية والاجتماعية التي يفرضها على المريض.
مرض يسرق الحركة والأمل
التصلب اللوحي، أو كما يُعرف علميًا بـ Multiple Sclerosis، هو مرض مزمن يصيب الجهاز العصبي المركزي ويؤثر تدريجيًا على الحركة والبصر والذاكرة، بل وحتى على وظائف المثانة والكلام. البروفيسور إسماعيل داودي، رئيس مصلحة طب الأعصاب بالمستشفى الجامعي لتيزي وزو، أكد أن المرض يصيب ما بين 18 و40 سنة، وقد يمتد إلى الخمسين، ما يجعله أحد أكبر التهديدات الصحية التي تطال شبابًا في قمة عطائهم المهني والاجتماعي.
وأشار إلى أن نسبة الإصابة بالمرض لدى النساء تفوق الرجال، بمعدل ثلاث نساء لرجل على المستوى العالمي، وامرأتين لرجل في الجزائر، مرجعًا ذلك للتغيرات الهرمونية التي تمر بها المرأة خلال مراحل حياتها مثل الحمل وانقطاع الطمث.
دواء متوفر… وتأخر في التوزيع
و رغم تسجيل أدوية حديثة لعلاج التصلب اللوحي ضمن قائمة وزارة الصحة الجزائرية، إلا أن البروفيسور داودي أبدى أسفه لوجود تأخر إداري في إيصال هذه العلاجات إلى السوق الجزائرية، ما يُصعب مهمة الأطباء ويقلل من فرص العلاج الفعّال.
وحذّر داودي من أن فعالية هذه الأدوية تتراجع كلما تقدّم المرض، خاصة عندما يتطور إلى مراحل الإعاقة أو فقدان البصر. وأضاف أن اكتشاف المرض في مراحله الأولى يمكن أن يؤدي إلى اختفاء الأعراض تمامًا أو الحد منها بشكل كبير.
أزمة نفسية صامتة
الدكتورة نادية عجموت، المختصة في الطب النفسي، تحدثت عن البعد النفسي المؤلم الذي يرافق المرضى، مشيرة إلى أن تشخيص المرض غالبًا ما يقود المريض إلى عزلة اجتماعية، انهيار عصبي، بل وحتى التفكير في الانتحار، خاصة مع إدراكه أنه قد ينتهي به المطاف على كرسي متحرك.
وأكدت على ضرورة التكفل الشامل بالمريض منذ لحظة التشخيص، ليس فقط طبيًا بل نفسيًا واجتماعيًا أيضًا، مشددة على أهمية الدعم الأسري ومرافقة المريض في التعامل مع القلق، وتعزيز قدراته على التكيّف مع المرض.
كما دعت إلى ضرورة إشراك طبيب العمل لتوفير مناصب تلائم الوضع الصحي للمصابين، والعمل على إدماجهم في المجتمع، بدل تركهم عرضة للتهميش وفقدان الوظيفة.
تكلفة باهظة وخسائر اقتصادية
وفي الجانب الاقتصادي، كشف البروفيسور داودي أن التكفل بمرضى التصلب اللوحي كلّف الخزينة العالمية نحو 450 مليار دولار بين 2017 و2023، مع توقعات بارتفاع التكلفة إلى 780 مليار دولار في الفترة ما بين 2024 و2030. أما الخسائر الاقتصادية الناتجة عن فقدان المرضى لعملهم وانخفاض إنتاجيتهم، فتُقدّر بـ27 مليار دولار.
التحدي الأكبر: التشخيص المبكر والأنسنة
كما أجمع المشاركون في الدورة التكوينية على ضرورة تسريع وتيرة التشخيص المبكر، واعتماد أدوية ذات فعالية عالية منذ ظهور أولى أعراض المرض، لتفادي الإعاقة وتحسين نوعية حياة المرضى. كما دعوا إلى ضرورة أنسنة العلاج، وتوسيع عدد المراكز الطبية والنفسية المتخصصة، إلى جانب تكثيف حملات التحسيس والتوعية، لا سيما وسط الشباب والأولياء.
وفي الختام، خلص الأطباء إلى أن الجزائر، بفضل تغطيتها الوطنية لأطباء الأعصاب، قادرة على تحقيق نقلة نوعية في التكفل بمرض التصلب اللوحي، شريطة أن تتوفر الإرادة الإدارية والسياسية اللازمة لتسريع إجراءات توفير الأدوية، وتحقيق العدالة الصحية لجميع المرضى.






























