الموجز
أقلام الموجز•6 دقائق قراءة

أي مُستقبل للغة العربية؟

الكاتب:عباس امين طلحاوي
نشر في:3 جوان 2022
6 دقائق قراءة
0

أي مُستقبل للغة العربية؟  بقلم: الاستاذ أحمد دلباني        يحسنُ بنا، عند الحديث عن مكانة اللغة العربية وحظوظها في البقاء، أن نتذكر أنَّ اللغات عبر التاريخ عرفت مساراتٍ مختلفة في تطورها وجدلها مع الواقع الاجتماعي وعلاقاتها مع الآخر ودورها في الإسهام الحضاري معرفة وعلما. هذا يعني أنَّ قضية صمود اللغات أمام رهانات الزمن ومفاجآته […]

أي مُستقبل للغة العربية؟

 بقلم: الاستاذ أحمد دلباني

 

     يحسنُ بنا، عند الحديث عن مكانة اللغة العربية وحظوظها في البقاء، أن نتذكر أنَّ اللغات عبر التاريخ عرفت مساراتٍ مختلفة في تطورها وجدلها مع الواقع الاجتماعي وعلاقاتها مع الآخر ودورها في الإسهام الحضاري معرفة وعلما.

هذا يعني أنَّ قضية صمود اللغات أمام رهانات الزمن ومفاجآته ومآزقه تظل أحيانا عصية على التفسير الأحادي الاختزالي.

وربما أصبح هذا الأمرُ أكثر إلحاحا علينا اليوم ولغتنا العربية تعيشُ عهداً غير سعيد رغم كونها تمثل، دون أدنى شك، ذاكرة غنية جداً لإحدى التجارب الحضارية الكبرى في التاريخ.

لقد حفظت لنا هذه اللغة – عبر موروثها الذي امتدَّ لقرون طويلة – وجها من وجوه مغامرات الإنسان في تأسيس وجوده على قيم السؤال والروحانية والبحث والتواصل الحضاري والتعبير العالي عن الكينونة.

ولكنَّ لعصرنا الحالي شأنا آخر مع حياة اللغات أو احتمال اندثارها. إذ إنَّ جرافة التاريخ العولمي – التي تميل إلى النمذجة والقولبة وطمس الخصوصيات – باتت تُثيرُ المخاوفَ وتشغل بال كل المنتمين إلى ثقافات الهامش المُتَّسع منذ كشفت العولمة، قبل عقودٍ قليلة، عن الرغبة الأمبريالية في محو التعدد الثقافي من خلال الهيمنة الاقتصادية وتوحيد الأنماط السلوكية الاستهلاكية وفرض القيم المصاحبة لذلك عبر أرجاء المعمورة.

ومن نافل القول أن نؤكد، هنا، على أنَّ العالم العربي لا يزال يدور في فلك الهيمنة الغربية ومراكزها الفاعلة، الأمريكية والأوروبية، منذ لقاءاته الصدامية الأولى بها قبل قرنين من الزمان. هذا ما انعكس على وضع اللغة العربية إيجابا وسلبا معا.

فقد انفتح العربُ، منذئذ، على أسئلة الحداثة الفكرية وقضايا التجديد الأدبي، وظهرت الصحافة ونشأت الحاجة إلى البحث العلمي. ورغم كل ما تحقق إلا أنَّ اللغة العربية لا تزال تعاني من ضمور الفاعلية في مجالات كثيرة، ما يكشفُ عنه غيابنا عن مأدبة الفتوحات المعرفية التي غيَّرت وجه العالم وأعادت تشكيل موازين القوة والنفوذ سياسيا واقتصاديا في عصرنا.

لقد ظلت التبعية سمة بادية على حضورنا الباهت وعلامة على كوننا مناطق نفوذ ومصادر طاقة للقوى العظمى لا غير. وأعتقد أنَّ الاحتفاءَ الذي تحظى به العربية لا يعني شيئا ما دامت هذه اللغة البهية الجليلة لا تتمتَّعُ بأهمية أخرى غير الثقل الديمغرافي لعدد الناطقين بها، أو كونها لغة بلادٍ يعظمُ الاهتمامُ بها من قِبل المركز المهيمن لتوفرها على ثرواتٍ ترتبط باستراتيجيات السيطرة وتأمين المصالح كما هو معروف.

كما أنَّ هذه اللغة، بطبيعة الحال، لا تزال تحظى بنوع من القدرة على الصمود لارتباطها بالإسلام ومناخ التقديس الديني. فهي لغة القرآن الكريم وامتداداته التراثية التي تتمتَّعُ بهيبةٍ خاصة عند عموم المسلمين شرقا وغربا.

ولكن هل يمثل هذا ضامنا كافيا لبقائها وصمودها أمام امتحان التاريخ؟ هل ضمن الارتباط بالمؤسَّسة الكنسية والكتاب المقدَّس بقاء اللغة اللاتينية أمام زحف اللغات الأوروبية التي عوَّلت على الخصوصية القومية والإنتاج الأدبي والفلسفي والعلمي وإنشاء الأكاديميات؟

لقد علمتنا الحداثة شيئا مهما: لا حظ لنا في الوجود السيِّد إلا بالقوة المرتبطة بالمعرفة والاستقلال عن مرجعية الماضي. فلا يمكنُ، هنا، للمُقدَّس أن ينوبَ عن المُدنَّس في عُرف التاريخ وقد أصبح بيتا للإنسان مكان المطلق القديم. وربما هذا ما جسَّده، بصورةٍ ما، الفيلسوف ديكارت منذ شرع في كتابة مؤلفاته الأثيرة باللغة الفرنسية التي كانت تُعتبر “لغة شعبية” بداية القرن السابع عشر.

إنَّ للغة حظوظا أخرى أقوى في البقاء أكثر من مجرَّد عدد الناطقين بها أو من ارتباطها بمرجعيات الماضي ومؤسَّساته التي لا يمكنها أن تظل، أبديا، بمنأى عن التفكك أو الانسحاب إلى الظل.

اللغة اللاتينية مثالٌ صارخ كما رأينا. أقول هذا وأنا أقفُ احتراماً، بطبيعة الحال، للجهود الكبيرة التي بذلها المبدعون العربُ منذ أكثر من قرن على درب تحرير اللغة العربية من علائقها التقليدية ومناخ الماضوية الفكرية، والقذف بها في أتون تجربة الوجود المعاصرة أدبا وفكراً.

لقد حققنا الشيءَ الكثير ولكنَّ هذا لم يعصم لغتنا الجميلة من التهديد الدائم في عالم يطبعه الصراعُ على الهيمنة ومحاولات الاستتباع ومحو الخصوصيات. لم تُسعفنا السياسة ولا خياراتنا الإيديولوجية المتسرعة في تأمين مشروع التحرر الثقافي والكياني، ولا في الحفاظ على اللغة العربية وترسيخ قدمها في عوالم المعرفة والبحث والإبداع. لقد ظلت بعضُ صور إبداعنا الثقافي تُشع ككواكب مفردةٍ في عتمة الوجود العربي الذي عمل الجميعُ، داخليا وخارجيا، على أسره كبروميثيوس وشدِّ وثاقه إلى صخرة الأزمنة الثقافية الراكدة فكريا وروحيا. أقول هذا كي أشيرَ إلى أنَّ صمودَ اللغة لا يرتبط بمجهود المبدعين فحسب، وإنما أيضا بمشاريع النهوض البصيرة التي تستثمرُ في العقل والبحث العلمي والبناء المؤسَّسي الأكاديمي المُثاقف للحراك المعرفي في العالم. لا يمكننا، بمعنى ما، الحديثُ عن مستقبل واعدٍ للغة العربية بمعزل عن تحديث العقل ومنظومة القيم التي تؤطر الحياة العامة والعلاقات الاجتماعية. نحن لم ننجز، بعدُ، “ثورة كوبرنيكية” في عالم القيم تحررنا وتحرر لغتنا من الارتهان لدى المطلق الغائب عن حركية الحياة بكل غناها. فلا حياة ممكنة للغة العربية داخل جثة المومياء التاريخية التي نسميها “العالم العربي“.

     يبدو لي، كذلك، أنَّ السؤال عن وضع اللغة العربية اليوم لا يخرج عن التساؤل حول الهواجس الهوياتية المعاصرة منذ انفجرت “المسألة الثقافية” باعتبارها همّا عولميا نبَّه البشر إلى ضرورة التعرف على أنفسهم في محدداتٍ أخرى غير تلك التي كرَّسها الصراع الإيديولوجي طيلة النصف الثاني من القرن العشرين المنصرم. لقد قفز الدين واللغة والانتماء الطائفي والأصل الإثني إلى المشهد، وأصبحت هذه المرتكزاتُ مدارَ التعرف على الذات ورسم حدود التمايز عن الآخر من خلال انبثاق مشهدي لبراديغم أو نموذج تفسيري جديد تحدث عنه بصورةٍ معمقة الباحث آلان تورين كما أسلفنا. وقد سمعتُ، أيضا، المفكر الفرنسيَّ ريجيس دوبريه يتحدث بصورةٍ لافتة عن “الحداثة المحررة للقديم” في إشارة إلى أنَّ العولمة التقنية – الاقتصادية التي تميل إلى توحيد الكوكب تُنتجُ، ويا للمفارقة، التشظي على الأصعدة الثقافية وهذا في صورة تمسك بالمؤسَّسات العتيقة وكل ما يُحيل إلى الخصوصية. إذ يجب ملء الفراغ الهوياتي الناتج عن العولمة التقنية باستدعاء أطر الحياة الجماعية السابقة على “صدمة الحداثة“. ومن الطبيعي ألا تفلتَ اللغة من أشكال مقاومة هذه العولمة على صعيد التأكيد على الهوية والتمايز. هذا يعني أنَّ اللغة اليوم عند العرب لا تخرج عن كونها محدِّداً من محددات الهوية الثقافية في مواجهة تهديدات العولمة بعد أن كانت في الماضي أداة انفتاح على المعرفة ومدٍّ لا ينتهي للجسور إلى الضفاف الأخرى حيث تقوم الشراكة الخلاقة مع الآخر في غزو العالم معرفيا والتأسيس لأخلاقيات الحوار والتسامح. كأنَّ اللغة العربية هجرت فراديسها المفقودة وأصبحت قلعة هشة لا يخرجُ همها عن الدفاع عن الذات العربية المتهالكة على أرصفة البطالة الحضارية. فهل من أفق ممكن لخروجها من هذا المأزق الخطير المُعقَّد؟

     إنَّ هذه الأوضاع أطلقت، بطبيعة الحال، عنان الخطابات العدائية التقليدية للغة العربية والتي لا ترى فيها إلا لغة ميتة لا يُمكنها التنفس خارج مناخ المقدس الديني؛ ولا يمكنها الاستمرارُ إلا كعشبةٍ طفيلية في ظل دوحة الأنظمة السياسية الرجعية التي تخصفُ عليها من ورق جنة الماضي وقد أصبح ملجأ من لحظة الفشل المرعبة أمام تحديات الحداثة. هذا ما يضطرني، هنا، إلى التنبيه أنَّ اللغة – فضلا عن كونها هوية وانتماءً إلى ثقافةٍ وذاكرة مشتركة – لا يمكنها فعلا الصمودُ أمام التحديات التي يجابهنا بها العصرُ ما دامت تعيشُ على ذكرى الفراديس الماضية أو تشرئبُّ بعنقها إلى مخادع المطلق بعيداً عن الحياة وتوهجها، وبمعزل عن حركية المعرفة وأسئلة القيم في عالم يجنحُ إلى القولبة وإلى كوكبةٍ لا تنفصل، بحال، عن إرادة الهيمنة.   

 

 

تصنيفات

الكل

الموجز

الاشتراك في النشرة الإخبارية

ندعوكم للتسجيل لقراءة آخر الأخبار والعروض والفعاليات الخاصة بشركتنا. نعدكم بعدم إرسال بريد مزعج.

2026 © الموجز , جميع الحقوق محفوظة.

تطويرForTera Services