
مفاوضات أيفيان وأزمة صيف 1962 لجلول حية بعد سنوات قليلة من تفجير الثورة التحريرية الكبرى، وبعد سنة 1955 أصبحت موضوع نقاشات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث تم تسجيلها في إطار تصفية الاستعمار، وتوالت الحكومات الفرنسية دون أن تتمكن من تبني سياسة جزائرية بناءة أمام حركة استقلال للساكنة المسلمة، وتبعا لمختلف العمليات العسكرية على الميدان، وجدت […]
مفاوضات أيفيان وأزمة صيف 1962
لجلول حية
بعد سنوات قليلة من تفجير الثورة التحريرية الكبرى، وبعد سنة 1955 أصبحت موضوع نقاشات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث تم تسجيلها في إطار تصفية الاستعمار، وتوالت الحكومات الفرنسية دون أن تتمكن من تبني سياسة جزائرية بناءة أمام حركة استقلال للساكنة المسلمة، وتبعا لمختلف العمليات العسكرية على الميدان، وجدت تلك الحكومات نفسها في موقف ضعف أمام القادة العسكريين الذين كانوا يكافحون من أجل الدفاع عن الجزائر الفرنسية، كان من الضروري على الطرفين الذهاب إلى الحوار، لكن معظم الناس لا يعرفون مرحلة الحوار هذه كيف سارت وما الظروف المحيطة بها، وجاء كتاب “مفاوضة أيفيان وأزمة صيف 1962” الذي يحوي حقائق حول مسار مفاوضات أيفيان شهادات غير مسبوقة لأهم المفاوضين الجزائريين والفرنسيين وأيضا للرسميين السويسريين الذين أطَّروا وحضَّروا تلك المفاوضات منذ 1960 إلى 18 مارس 1962، لصاحبه الصحافي المحقق “جلول حية” والذي أخرجه من خلال شهادات متلفزة سجلها وبثت في التلفزيون الجزائري سنوات التسعينيات.
والكتاب ذاته يهدف إلى ملء الفراغ التاريخي ونقل الحقيقة من أجل فهم أفضل لصيرورة المفاوضات التي ستفضي لوقف إطلاق النار ثم نهاية حرب الجزائر، تلك الحرب التي يُقَدَّر بأنها خلفت مليون ونصف مليون شهيد وتسببت في نزوح مليون شخص، وأيضا يعتبر هذا الكتاب بمثابة عرفان كبير لجميع الجزائريين الذين كانت شجاعتهم السياسية تهدف إلى إنهاء حرب مفنية غير متكافئة بين الجزائريين وإحدى أكبر القوى الاستعمارية الأوروبية، كذلك عرفانا للسلطات السويسرية الممثلة في الحدث بدبلوماسياتها ورسمييها وشخصياتها العامة خلال تصوير الشهادات…
سوف يكتشف القارئ الفاعلين الحقيقيين الذين انخرطوا في هذه المفاوضات الصعبة التي كان فيها الرهان السياسي كبيرا…
وقد نشر الكتابة أول صدوره باللغة الفرنسية، ثم طلب صاحب الكتاب جلول حية من السيد “هارون حمادو” ترجمة الكتاب الذي تنفرد مجلة “الموجز” بنشره على شكل حلقات مميزة…
الحلقة الأولى … ترجمة هارون حمادو

نداء أول نوفمبر في نظر بعض المفاوضين الفرنسيين و الجزائريين
لقد تم اتخاذ قرار تفجير ثورة أول نوفمبر 1954 المسلحة في 23أكتوبر 1954 من طرف لجنة الستة المتكونة من مصطفى بن بولعيد،ومحمد بوضياف، وديدوش مراد، ومحمد العربي بن مهيدي، ورابح بيطاط وكريم بلقاسم.
يجب التذكير بأن فكرة التفاوض مع فرنسا كانت مدرجة في نداء أول نوفمبر1954 ، وقد تم التعبير عنها كما يلي:”وتفادياً للتأويلات الخاطئة، ولإثبات رغبتنا الحقيقية في السلم، وللحد من الخسائر في الأرواح وإراقة الدماء؛ فإننا نقدم أرضية مشرفة للمناقشة مع السلطات الفرنسية إذا كانت هذه الأخيرة تحذوها النية الطيبة، وتعترف نهائياً للشعوب التي تستعمرها بحقها في تقرير مصيرها بنفسها…”
حول هذا المقطع التاريخي كان جواب السيد”بيرنار تريكو”Bernard Tricot”، أحد المفاوضين الفرنسيين، ودبلوماسي سابق ملحق بديوان السيد:لوي جوكس Louis Joxe والمستشار التقني لدى الرئاسة الفرنسية، دون أي إبهام.
أتذكر جيداً ذلك اليوم الذي استقبلني فيه السيد تريكو ومعي فريقي بعد أن تم تحديد موعد معه، لقد كان الجو جميلاً جداً في باريس ذلك اليوم. لقد أبهرني جداً السيد تريكو؛ حيث بدا لي وكأنه من جيل الجنرال ديغو، استقبلنا في قاعة جلوس واسعة في شقة بالطابق الثالث في بناية هادئة ومحاطة بكثير من الخضرة. وقد حضرَّت حواري في مكتبٍ بالقرب من شرفةٍ تطل على حديقة الإقامة. لقد كان ذلك الهدوء في قلب باريس وبتقدمه في السن، بدا لي السيد تريكو متعباً نوعاً ما.

بيرنار تريكو: أجل! إنه سؤال كبير، وستكون إجابتي طويلةً نوعاً ما، ففي البداية ينبغي التذكير بأنه في نداء الفاتح نوفمبر هذا، صرحت جبهة التحرير الوطني بأنها تطالب باستقلال الجزائر، ووحدة الشعب الجزائري، والوحدة الترابية للجزائر، وبأنها تطالب بإنهاء كل ما من شأنه التذكير بالاستعمار، ولكنها كانت، من جهة أخرى، مستعدةً لاعتبار المصالح العامة لفرنسا، وبأنها كانت مستعدةً أيضاً لاحترام حقوق ومصالح فرنسيي الجزائر؛ وكانت تقول: “…عندما تكون فرنسا مستعدة، سنكون مستعدين نحن أيضاً من جانبنا…” ولكن هذا النداء لم يكن مسموعاً جداً في فرنسا. لماذا؟ يرجع ذلك، أولاً، لأسبابٍ ظرفيةٍ أو لحظية.
فنداء أول نوفمبر هذا الذي أطلقته جبهة التحرير الوطني قد تزامن تحديداً مع بداية الانتفاضة، تلك البداية التي حضرتها اللجنة الثورية للوحدة والعملCRUA التي كانت توجد بها شخصياتٌ تمثيلية، لا يزال بعضهم على قيد الحياة مثل السيد بن بلة، لقد اندلعت تلك
الانتفاضة في مناطق مختلفة من الجزائر، في المدن وفي الأرياف ولاسيما في الأوراس، وقد خلفت قتلى، وكانوا أوائل قتلى تلك المرحلة من الصراع بين الجزائريين والفرنسيين.
لقد سبق واندلعت انتفاضات جزائرية، ثورات جزائرية، في الأوراس وفي بلاد القبائل وفي مناطق أخرى ناحية سطيف، وقد كانت رهيبة في قوتها كما في قمعها. ولكن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت الجزائر تبدو هادئة، وفي لحظة مباغتة وقعت تلك السلسلة من العمليات التي خلفت قتلى من المسلمين ومن الفرنسيين، ففي وسط المسلمين، حدث وأن تم توقيف ڤايد مُوَالٍ لفرنسا وجرحه في حافلةٍ تجوب الأوراس، وأظن أنه قُتل، وعلى أي حالٍ فقد جُرح جرحاً خطيراً، كما كان هناك أيضاً زوجان معلمان، السيد غي مونيرو Guy Monnerotوزوجته، اللذان دُعيا إلى النزول من الحافلة، إما بسبب حادث لحظة إطلاق النار على الڤايد، وإما حقيقةً أريد إطلاق النار عليهما؛ لا أدري، فقد جُرحا بشكلٍ خطير، وطُلب من الحافلة المغادرة، وبقي الزوجان مونيرو على حافة الطريق؛ فمات الرجل، وأما المرأة الشابة، الجريحة جرحاً بليغاً، فقد ماتت في طريق نقلها إلى المستشفى، لقد أثرت هذه الحادثة في الفرنسيين بشكلٍ كبير، أثرت فيهم لأن أفراد جبهة التحرير إذا كانوا يريدون فعل كل ما يجب فعله حتى يقف الفرنسيون ضد بداية انتفاضتهم فإنه لا يمكنهم أن يفعلوا أفضل من ذلك: قتل شابين كان سنهما، على ما أظن، عشرون سنة أو يزيد بقليل، وهما زوجان معلمان،يمكن القول إنهما مستغلان، بمعنى استعماريين يستغلان الشعب، لقد كانا يطوران التعليم في منطقة لم يكن العيش فيها سهلاً، منطقةٌ في قلب الأوراس، وبالإضافة إلى ذلك، فقد كانت لهما روحٌ متحررة، ولم يكونا أبداً رجعيَينْ أو من اليمين المتطرف، لقد كانا ليبراليَين، لقد قُتلا بدون سبب.
إذاً، عليكم أن تدركوا جيداً بأنه بين هذا الحدث والنداء للسلام بالقول “…لقد قتلت لتوي أشخاصاً، فلنذهب الآن إلى السلام، لنرى إذا كنا نستطيع تجسيده…” إن فعل القتل كان هو الأمر الأكبر، وهو ما أثر بعمقٍ في الفرنسيين.
أما فكرة التفاوض حول الاستقلال الجزائري فقد كانت بعيدةً جداً عما كان الفرنسيون مستعدين لقبوله، وحتى الأكثر ليبرالية، ويمكنك أخذ بيار مانداس فرانس Pierre Mendès-France كمثال، فبيار مانداس فرانس كان رئيساً للمجلس في تلك الفترة، وكان قد قدَّم قبل شهور من ذلك خطاباً في قرطاج بتونس، يقترح فيه للتونسيين نظام حكمٍ ذاتي داخلي. لقد كنت أعرفه جيداً، وكنت في تونس في تلك الفترة، ولقد شاركت كثيراً في المفاوضات حول الحكم الذاتي الداخل، حسنٌ!
إن رجالاً مثل مانداس فرانس الذي كان قد اتخذ هذا القرار الشجاع، والذي كان عليه أن يتخذه في رأيي، ولكنه أثر كثيراً في فرنسيي تونس بطبيعة الحال؛ كان قد صرَّح: «أُذكِّر بأن الجزائر هي فرنسا، وليس من الوارد التفاوض على استقلالٍ جزائري مثلما فعلتُ بالنسبة لتونس؛ وهي الواقعة تحت الحماية، وحافَظت دوماً على صفة الدولة وبزعيمٍ على رأسها، فلا ينطبق هذا على الجزائر.
إن ردة الفعل التي قام بها رجلٌ مثل مانداس فرانس في تلك الفترة معبرة جداً عن الحالة النفسية للفرنسيين، فبالنسبة لنا، كانت الجزائر في الواقع مقاطعةً فرنسية، أن تكون هذه الفكرة مرفوضة جداً؛ فأنا أوافق هذا تماماً، وألاَّ تأخذ هذه الفكرة بعين الاعتبار الحجم المعتبر للجزائر، وأهمية سكانها، وكل ما يميز وما يعارض غالباً مسلمي الجزائر وفرنسييها، وألاَّ يأخذ هذا التعارض بعين الاعتبار تطور العالم الحديث وحصول الشعوب المستعمرة على الاستقلال؛ فأنا أوافق ذلك تماماً.
ولكنه كان واقعاً، وواقعاً لا يمكن لجزائريي جبهة التحرير الوطني تجاهله، لا يمكنهم تجاهل ذلك، وأعود هنا تحديداً إلى رجالٍ مثل السيد أحمد فرنسيس، والسيد بومنجل اللذين كانا محاميَين، واللذين كانا يمارسان عملهما أو كانا لا يزالان في فرنسا، فهما اللذين كان يعرفان جيداً ذهنية الفرنسيين لم يُصَدِّقا بأن ذلك التوافق في التوقيت، تلك المصادفة بين أولى الاغتيالات تلك المتبوعة بأخرى كثيرة وين الإعلان لجبهة التحرير الوطني؛ لم يكن ليفضي إلى أية نتيجة إيجابية، وليس قبل فترةٍ طويلةٍ على أية حال، إن الفرنسيين كانوا، بكل تأكيد، أكثر حساسيةً لموت عددٍ من الأشخاص؛ ولاسيما فرنسيو الجزائر، وبالأخص هؤلاء الزوجان اللذين حدثتك عنهما قبل قليل، لقد كانوا أكثر حساسيةً تجاه هذا من حساسيتهم تجاه إعلان النوايا المتناقض تماماً مع ما حدث آنذاك، إني أجد صعوبةً في فهم هذا الأمر، وهذا ما يمكنني أن أقوله لك دون أن أحاول تنميقه، فآرائي معروفة، لأنني حازمٌ لدرجة أن أقول ما قلته الآن.
…يتبع






























