
مكانة مجلس الأمة بين مقتضيات التمثيل الجغرافي وموجبات تجويد العمل البرلماني بقلم البروفيسور: شوقي يعيش تمام لا يمكن حجب وإنكار الأهمية التي يتمتع بها مجلس الأمة داخل حلقة النظام السياسي الجزائري منذ الإعلان عن ميلاده بموجب وثيقة التعديل الدستوري لسنة 1996 التي اتجهت في منحى إلزامية الأخذ بنظام البيكاميرالية في ظل سياق ظرفي […]
مكانة مجلس الأمة
بين مقتضيات التمثيل الجغرافي وموجبات تجويد العمل البرلماني
بقلم البروفيسور: شوقي يعيش تمام

لا يمكن حجب وإنكار الأهمية التي يتمتع بها مجلس الأمة داخل حلقة النظام السياسي الجزائري منذ الإعلان عن ميلاده بموجب وثيقة التعديل الدستوري لسنة 1996 التي اتجهت في منحى إلزامية الأخذ بنظام البيكاميرالية في ظل سياق ظرفي فرض وجود مجلس الأمة كغرفة ثانية غير منافسة أو سالبة لاختصاص الغرفة الأولى المجلس الشعبي الوطني أو حتى معقبة عليه بقدر ما يجب أن يحظى به مجلس الأمة من دور لتحقيق استقرار مؤسساتي دستوري بعد حالة الانسداد والفرار المؤسساتي الذي كاد أن يعصف بالدولة عند حل المجلس الشعبي والوطني وتعامله مع استقالة رئيس الجمهورية سنة 1992 . وهذا يدفعنا أن نقر من غير مجازفة أو مبالغة أنه وعند البحث عن موقعه ضمن جدلية الخيار والضرورة نجد أن مجلس الأمة في الجزائر ينزع للثانية على حساب الأولى إذا قورن بدول أخرى غلبت الأولى على الثانية
ولكن ما سبق لا ينفي عنه أن الإبقاء عليه يتفق مع خيار تنويع التمثيل السياسي وفقا لنهج المساواة الجغرافية والذي يتواصل مع الإرادة السياسية في منح دينامكية للجماعات الإقليمية على مستوى الممارسة السياسية البرلمانية في الوقت الذي يبقى فيه هذا الخيار يثير الكثير من التساؤلات حول مدى مساهمة هذا التوجه في إثراء وتجويد العمل التشريعي بوصفه أحد الأهداف المتوخاة من وراء استحداث الغرفة الثانية كذلك

إن المكانة الدستورية لمجلس الأمة في الجزائر ينبغي التمييز بصددها بين مرحلتين .الأولى قبل صدور التعديل الدستوري لسنة 2016 حيث نسجل بخصوصها عدم الاعتراف لمجلس الأمة بسلطة تعديل أو إثراء مشاريع القوانين مثلما تؤكده أحكام القانون العضوي 16/12 الناظم للعلاقة بين الحكومة والبرلمان والذي يشترط لإدخال تعديلات على مشاريع القوانين المقدمة من جانب الحكومة أن يكون ذلك مقترنا بالجهة التي يودع أمامها مشروع القانون. وبما أن ذلك يتحقق قانونا أمام المجلس الشعبي الوطني .فإنه يكون بمقدور هذا الأخير فقط الانفراد بمكنة التعديل دون مجلس الأمة وهو ما حدا بالبعض إلى اعتبار أن هكذا توجه يتعارض مع مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 114 من نسخة التعديل الدستوري لسنة 2020 والتي تنص صراحة على أن لكل غرفة من غرفتي البرلمان السيادة في إعداد القوانين والتصويت علبها
وإن كنا نرى من جانبنا أن التفسير السليم لهذا النص يتعلق بسلطة المبادرة التشريعية التي يتقاسمها البرلمان بغرفتيه مع الحكومة في ما تعلق باقتراح القوانين من طرف النواب وأعضاء مجلس الأمة حسب ما تقضي به أحكام المادة 143من التعديل الدستوري الحالي دون أن يمتد إلى سلطة تعديل مشاريع القوانين وهو ما نستخلصه بداهة من عبارة ” إعداد” والتي تحمل دلالة المبادرة وليس التعديل
وتبعا له فإن مجلس الأمة في هذه الفترة كان محصور الدور والتدخل على المستويين الدستوري والقانوني.وإن كان يبقى جائزا له التدخل بطريق آخر من خلال الاحتكام إلى اللجنة المتساوية الأعضاء في حالة وجود خلاف بين الغرفتين لاقتراح أحكام جديدة حسب ما تقضي به أحكام المادة 145من التعديل الدستوري الحالي
لكن هذا الوضع تغير بشكل نسبي بصدور التعديل الدستوري لسنة 2016 والذي نسجل بشأنه فسح المجال التشريعي أمام مجلس الأمة وهذا عندما اعترف التعديل الدستوري الصادر آنذاك لأول مرة إمكانية عرض مشاريع القوانين المتعلقة بالتنظيم المحلي وتهيئة الإقليم والتقسيم الإقليمي أمام مكتب مجلس الأمة .وهذا يعني من جانب آخر أن هذه الفئة من مشاريع القوانين هي وحدها التي يجب أن تعرض أمام مجلس الأمة دون المجلس الشعبي الوطني رغم أن هذا المستجد الدستوري لم يكن ليؤثر على مكانة المجلس الشعبي الوطني الذي يبقى له الاستئثار بحصة الأسد في ما تعلق بعدد مشاريع القوانين التي يجب عرضها أمامه وبالتالي إمكانية تعديلها
أما وبالتركيز على التعديل الدستوري لسنة 2020 فنجده حافظ على الأحكام التي جاءت من قبل في تعديل 2016 بخصوص ضبط الدور التشريعي بين كل من المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة دون أن يزيد عنها خاصة ما تعلق بمجلس الأمة.ولم يقتصر الأمر فقط على المجال التشريعي بل شمل حتى المجال الرقابي على العمل الحكومي. مما يؤكد أطروحة أن استحداث مجلس الأمة يصب في اتجاه اعتباره صمام أمان للاستقرار المؤسساتي الدستوري في الجزائر فرضته تحديات الانتقال الدستوري أكثر منه غرفة ثانية مدعمة أو مكملة للغرفة الأولى .أما ما تعلق بتمكينه من صلاحيات تشريعية فلا يعدو أن يكون ذلك تأكيدا للبعد الجغرافي التمثيلي من أجل خلق توازن بين جهات الوطن حسب ما تقتضيه فلسفة نظام الثنائية البرلمانية خاصة وأن القوانين التي يجب أن تقدم أول مرة أمام مجلس الأمة تتعلق كما سبق بيانها بالتنظيم والتقسيم الإقليمي والمحلي وتهيئة الإقليم































